حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

260

التمييز

ألم تر أنّ صحاب الفتى إذا الدّهر ساعده ساعدوا ولو علم النّاس أن المري ض يموت لما عاده واحد وقال حكيم : هذا زمان إن انقطع رجاء صديقك فألحقه بعدوّك ، رجاك ما دارت رحاك ، وهواك ما هبّت صباك . مئونة النّاس أكثر من معونتهم فمن أبعده اللّه عنهم أراحه منهم ، ومن اضطرّ إلى مخالطة النّاس فليكن معهم ببدنه ويفارقهم بقلبه ولسانه ، إن رضوا فظاهرهم الملق ، وإن سخطوا فباطنهم الحنق ، لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم . أحظى النّاس لديهم من أحسن إليهم فإذا قصّر عنهم رفضوه ، وإن قصي منهم أبغضوه ، وإنّ حضر داهنوه ، وإن غاب شاحنوه ، غنيّهم شحيح وفقيرهم فضيح ، إنّ رأوا خيرا دفنوه وإن ظنّوا شرا أعلنوه ، الواثق منهم على غرر والمستمسك بهم على خطر ، ولا يتناهى في الحسد إلّا الأصحاب والنّدماء متى رأوك بحال هم أنقص منه انغرس في قلوبهم الحسد ، وهو داء دوي أبديّ ، واللّه قد ختم مجامع الشّرور الإنسانيّة بالحسد فقال تعالى وَمِنْ شَرِّ / 122 ب / حاسِدٍ إِذا حَسَدَ « 1 » . يجب على المرء أن يتحفّظ من حسد أصدقائه ومكر أعدائه ، فسد الزّمان وتغيّر الإخوان ، وصار الانفراد أروح للفؤاد وأربح للمعاد ، من وجد عن صحبة النّاس غنى ولم يعتزلهم فلا يلومنّ إلّا نفسه ، الأرض مرتع ولا في أهلها مطمع ، من علامات الإفلاس الاستئناس بالنّاس . قال صاحب شرح الحكم « 2 » : فتح باب الأنس بالله هو الاستيحاش من الناس وبقدر تحقّقه بوصف الخمول يتحقّق له مقام الإخلاص حتى يتخلّص بذلك من رؤية إخلاصه ، وبهذا يتبيّن لك أفلاس جميع الناس ، ما يصنع العاقل بين سالب وثالب ونقول وكاذب وحسود موارب وعدوّ محارب إن سمعوا الخير أخفوا ، وإن سمعوا الشرّ أذاعوا ، وإن لم يسمعوا كذبوا ، شعر ( الخفيف )

--> ( 1 ) سورة الفلق : آية ( 5 ) . ( 2 ) هناك أكثر من شرح لكتاب الحكم العطائية . أنظر كشف الظنون ص 675 - 676 .